محمد بن جرير الطبري

95

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فيها . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عمن ذكره ، قال : خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ قال : خلق الله الإنسان في الرحم ، ثم صوره فشق سمعه وبصره وأصابعه . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب قول من قال : تأويله : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ولقد خلقنا آدم ، ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ بتصويرنا آدم ، كما قد بينا فيما مضى من خطاب العرب الرجل بالأفعال تضيفها إليه ، والمعني في ذلك سلفه ، وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وما أشبه ذلك من الخطاب الموجه إلى الحي الموجود والمراد به السلف المعدوم ، فكذلك ذلك في قوله : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ معناه : ولقد خلقنا أباكم آدم ، ثم صورناه . وانما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب ، لأن الذي يتلو ذلك قوله : ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم ، بل قبل أن يخلق أمهاتهم ، و " ثم " في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها ، وذلك كقول القائل : قمت ثم قعدت ، لا يكون القعود إذ عطف به ب " وثم " على قوله : " قمت " إلا بعد القيام ، وكذلك ذلك في جميع الكلام . ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها ، وذلك كقول القائل : قمت وقعدت ، فجائز أن يكون القعود في هذا الكلام قد كان قبل القيام ، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفا لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها من غير دلالة منها بنفسها ، على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين ، أو إن كانا في وقتين أيهما المتقدم وأيهما المتأخر . فلما وصفنا قلنا إن قوله : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا . فإن ظن ظان أن العرب إذا كانت ربما نطقت " ثم " في موضع الواو في ضرورة شعر كما قال بعضهم : سألت ربيعة من خيرها * أبا ثم أما فقالت لمه بمعنى : أبا وأما ، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره ، فإن ذلك بخلاف ما ظن ؛ وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب ، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها وله في الأفصع الأشهر معنى مفهوم ووجه معروف . وقد وجه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم ، وزعم أن معنى ذلك : ولقد خلقناكم ، ثم قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم ، ثم صورناكم . وذلك غير جائز في كلام العرب ، لأنها لا تدخل " ثم " في الكلام وهي مراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر ، وإن كانوا قد يقدمونها في الكلام ، إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير ، وذلك كقولهم : قام ثم عبد الله عمرو ؛ فأما إذا قيل : قام عبد الله ثم قعد عمرو ، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله ، إذا كان الخبر صدقا ، فقول الله تبارك وتعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا نظير قول القائل : قام عبد الله ثم قعد عمرو في أنه غير جائز أن يكون أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير لما وصفنا قبل . وأما قوله :